من الثقافة الشعبية إلى الدراسات الثقافية

سبت, 11/11/2017 - 21:18

اللافت، أو المفارق وبأكثر من معنى، أن الذين يصنّـفون الثقافة الشعبية ويدرسون مواضيعها وأجهزتها وجمهورها... ليسوا من المجموعات أو الطبقات الشعبية بل هم من منتجى الأفكار من علماء الأنثروبولوجيا والكتّاب والنقاد والصحافيّين والمثقفين والسياسيين... في معامل المعرفة في أحيان وفي أفران الإيديولوجيا في أحيان أخرى. وبالنسبة لهؤلاء فإن المتعاطين للثقافة الشعبية، من موقع الانتماء والإسهام، وفي إطار من الإنتاج والاستهلاك، هم مجرد "آخر" ثقافيا واجتماعيا في الوقت ذاته؛ ممّا يسهّل عليهم التعامل مع هذا الآخر من موقع المسيطر وــ الأخطر ــ بشكل استعلائي. وربما كان بإمكان الأكاديميين التميّز، على مستوى التعامل مع الثقافة الشعبية، على الأقل من ناحية محاولة فهمها وبالقدر ذاته توفير أكثر من سبيل لفهمها والتعاطي معها وفق التقاليد الأكاديمية التي تربط بين الثقافة والمجتمع من منظور اليومي والعادي. غير أن هؤلاء الأكاديميين بدورهم، أو بالأدق العديد منهم، سقطوا في تبخيس هذه الثقافة ونبذها بل رأوا فيها موضوعا غير جدير بالاهتمام، وشيئا تافها ومضيعة للوقت.

 

وكتاب آرثر أيزابرجر (Arthur Asa Barget )، الموسوم بـ"النقد الثقافي" (وهو من الكتب التعريفية في مجاله) جدير، من خلال فصله السادس (النظرية الاجتماعية والنقد الثقافي)، بمزيد من الاطلاع على ما يمكن نعته بـ"إشكالية الموقف المسبق" من الثقافة الشعبية من ناحية الطرح الأكاديمي ذاته ومدى تدارك "الاستعلاء الأكاديمي" من خلال النقد الثقافي.

ويهمنا أن نشير إلى أن "اليسار"، بدوره، وجد صعوبة بالغة في صياغة موقف منسجم من الثقافة الشعبية في سياقاتها المفهومية والتداولية وفي تجلياتها الرمزية والمادية. يقول الناقد البريطاني الأشهر، تيري إيجلتون، في مقال موسوم بـ"الثقافة الشعبية... سؤال القيمة": "مثلت الثقافة مشكلة لليسار بكيفية دائمة. وكانت تطرح في صيغة السؤال التالي: كيف يمكن لليسار المنافَحة عن الناس البسطاء ضد الازدراء الأبوي أو ضد النخبوية الرجعية دون السقوط في تأييد الأشرطة السينمائية المبتذلة أو صحيفة (صن)؟ وكانت المشكلة أقل حدّة في الأيام الجميلة القديمة التي نشر فيها ريتشارد هوغارت كتابَه: فوائد التعلّم، والذي تمّ اعتباره حينذاك كتاب العامة عن الثقافة الإنكليزية" (ترجمة: عبد الجليل الأزدي/ مجلة الملتقى، ع: 9 ــ 10، س: 6، 2002، ص112). ولعل المقصود، من كتاب "فوائد التعلّم"، هو كتاب "استعمالات القراءات والكتابة" (The Use of Literacy) (1957) كما في ترجمة أخرى، وهو كتاب يعنى بثقافة الطبقة العاملة في الثلاثينيات من القرن المنصرم (وبما ينطبق على طفولة ريتشارد هوغارت (R. Hoggart) نفسه، أو استجابات الطبقة العاملة للثقافة الجماهيرية في سياق "الحياة البروليتارية في إنكلترا" وسياق "التاريخ من أسفل" ومع الوعي بهذا التاريخ من قبل هذه الثقافة. وهو ما ينطبق على باقي الآباء المؤسّسين للدراسات الثقافية الذين يؤثر على أحدهم قوله: "لقد جئنا جميعا من جذور الطبقة العاملة وتعلمنا في معاهد تعليم الكبار". ويذهب تيري إيجلتون، في كتابه "فكرة الثقافة"، إلى أن كتاب هوغارت "عبّر عن التشاؤم الثقافي لدى اليسار" (ترجمة: ثائر ديب، ص 244). هذا وتجدر الملاحظة أن تيري إيجلتون نفسه يشدّد على أن "النقلة الحاسمة" تمّت مع كتاب رايموند ويليامز (R. Williams) "الثقافة والمجتمع" (1958) الذي أعاد لليسار تهيئة فكرة الثقافة في فترة الستينيات. ذلك أن "الثقافة بمعنى الهوية، والولاء، والحياة اليومية مثلت نوعا من التحدّي ليسار كاره للثقافة، وبطريركي، ومصاب بالعمى حيال المسائل الإثنية" (ص249). والمؤكد أن ثمة بوناً بين ثقافة الطبقة العاملة والثقافة الجماهيرية، وأما الانتقال من الثقافة الأولى إلى الثانية ومن طرف "الآباء المؤسسين" (أنفسهم) للدراسات الثقافية فلا يخلو من انتقاد. وفي هذا الصدد يمكن أن نحيل إلى البحث المتميّز والموسوم بـ"الثقافوية" للباحث الإنكليزي جون ستوري والذي ترجمه السيد إمام ضمن ملف "النقد الثقافي" بمجلة "فصول" (القاهرية) (المجلد25/3) (العدد: 99، ربيع: 2017). يقول جون ستوري: "إن نقطة الضعف الحقيقية في الكتاب [استعمالات القراءة والكتابة] هي عجزه عن نقل التبصّرات من تناوله للثقافة الشعبية لحقبة الثلاثينيات إلى تناوله لما يدعى بالثقافة الجماهيرية لحقبة الخمسينيات" (ص216). وكما يمكن الإفادة، بخصوص هذا النقد، من الفصل الثالث "ثقافة الجماهير والفوضوية" من كتاب "نهاية اليوتوبيا" لصاحبه البروفيسور راسل جاكوبي (R. Jacoby).   

والظاهر، هنا، وبأثر عكسي لا طردي، أنه كان ينبغي انتظار مولود جديد لتغيير النظرة للثقافة الشعبية من خلال ما سيصطلح عليه بـ"الدراسات الثقافية" (Cultural Studies) التي يعود تاريخ ظهورها إلى سنوات الستين (1964 تعيينا) بمعهد أو مركز الدراسات الثقافية المعاصرة (CCCS) بجامعة برمنغهام في إنكلترا والذي أنشأه ريتشارد هوغارت (سالف الذكر) وستيورات هول (S.Hall). وقد كشفت الدراسات عن آفاق مغايرة أهم ما ميّزها، على صعيد المقاربة ذاتها، وعلاوة على الجمع ما بين معارف وتخصّصات وعلوم متباعدة، هو الوصل ما بين النص المكتوب والنص الشفوي في سياق استخلاص خطاب كل نص منهما إضافة إلى دمجها دراسة الثقافة الشعبية والجماهيرية مع دراسات الثقافة الممتازة وعلى النحو الذي أدى إلى نوع جديد من المعرفة الكبرى والدراسات الثقافية كما نقرأ في كتاب "النقد الثقافي" (الترجمة العربية، ص195).

بدت الثقافة، مع هذه الدراسات، كأنها "القوة الاجتماعية المسيطرة"... بل بدت كأنها "دين بديل". ولعل أهم ما يلفت الانتباه في الدراسات الثقافية، ورغم أنها تظهر في شكل كرنفال معرفي، هو بعدها الديمقراطي الملحوظ. و"الديمقراطية أوّلا وأخيرا مفتاح القيمة الثقافية" كما يقول تيري إيجلتون في مقاله السابق (ص112). وليس نشازا أن تشدّد الدراسات الثقافية على أن جميع النصوص/ الثقافات تستحق التحليل والتفسير والتقويم، في سياق تقويض المركزيات (النخبة المتعالية وإيديولوجيا الاستعمار والذكورة المفترسة... ) في مقابل الإعلاء من أصوات الهامش و"نبالة القاع" (بالتعبير الرائع للروائي المصري خيري شبلي) غير المعترف به من قبل المؤسسات (الرسمية) التي أسهمت في طمس الثقافة الشعبية، ولذلك لم تعد الحواجز أو الفروق التي استخدمت للتفريق بين الثقافة الراقية (أو العليا) والثقافة الشعبية الهابطة (أو المنحطة، في توصيف كهذا) صالحة لأي صنف من صنوف الاستعمال الذي ينطوي على "قصدية نخبوية وهرمية".  وكما يقول أنتوني إيستهوب (Antony Easthope): "لقد قامت الدراسات الثقافية بهدم الفروق بين الثقافة الرسمية والشعبية، بين الأدبية والدراسات الثقافية". ومن ثم أصبحت مواضيع مثل الثقافة العليا والثقافة الشعبية والجندر والمؤسسة والإيديولوجيا... قابلة لأن تدرس في إطار "النصية" (Textualité) (بلغة "البنيويين") بحثا في أنساقها المضمرة في غابات الثقافة.

ولذلك فكل من المدينة والريف ينطوي على ثقافة مخصوصة، ومن ثم الدلالة الظاهرية لعنوان "الريف والمدينة" لرايموند ويليامز (سالف الذكر) صاحب التأثير الأبلغ في التدشين والتطوير للدراسات الثقافية وبخاصة من ناحية إسهاماته في التأسيس للنزعة الثقافوية، وبما أضافته لدراسة الثقافة الشعبية، جنبا إلى جنبٍ مع تعريف ويليامز نفسه للثقافة بوصفها "التجربة المعيشة" للرجال والنساء "العاديين" التي يصنعها تفاعلهم اليومي مع نصوص الحياة اليومية وممارساتها (جون ستوري: الثقافوية/ فصول، ص222)... وذلك كله في نطاق ما يمكن نعته بـ"طرائق الحداثة" (في دلالة على مجموعة مقالات لرايموند وليامز نقلها عبد القادر فاروق إلى العربية) التي تعنى بـ"خلق تكامل بين الفن والتطبيق في الحياة" وذلك من خلال نقل الفن إلى الشوارع والمصانع والحانات... وبالأفلام التي كانت "أكثر من أي شيء آخر" وبأوّل جمهور للسينما الذي كان من الطبقة العاملة في المدن الكبرى في العالم الصناعي وبما هو "شعبي" في السينما ردّا على منتقدي المفردة من نقاد الحداثة العليا أو العالية كما يترجمها المترجم ... وغير ذلك من الأفكار ذات الصلة بالتصنيع والعمران والمفهومات الحضرية وبزوغ الحداثة وأفكار وممارسات الحركات الطليعية في حواضر القرن العشرين ونزع الطابع المركزي عن الحداثة... إلخ. 

وتعنى الدراسات الثقافية بالثقافة الشعبية والثقافة الجماهيرية والثقافة الدنيا والثقافة العليا والثقافة الحضرية وثقافة الشباب وثقافة الروك وثقافة العامة وثقافة ما بعد الحداثة وثقافة ما بعد الاستعمار وثقافة الجندر وثقافة الطبقة العاملة... إلخ. يشير مصطلح الثقافة (C)، إذن، إلى جميع هذه الأشكال والمعارف والأجناس.

أهمية الدراسات الثقافية مؤكّدة على مستوى التعاطي للثقافة الشعبية، غير أنه يصعب القول إن الثقافة الشعبية أدت إلى الدراسات الثقافية. فثمة عامل التاريخ إلى جانب عامل النظرية وبما في ذلك النظرية الفرنسية والنظرية الأوروبية ككل وبخاصة من ناحية الماركسية الغربية. وهذا ما يشرحه جون ستوري قائلا: "لقد بدأت الدراسات الثقافية البريطانية على أساس افتراضات النزعة الثقافوية هاته وغيرها، المعبَّر عنها في التقاليد الإنكليزية والسوسيولوجيا والتاريخ. ومع ذلك سرعان ما وضعت أبحاث "مركز الدراسات الثقافية المعاصرة" الثقافوية في علاقات معقدة ومتناقضة في الغالب وصراعية مع البنيوية الفرنسية الوافدة، وبالتالي وضعت المنهجين في حوار نقدي مع تطوّرات الماركسية الغربية، ولا سيما عمل لويس ألتوسير وأنطونيو غرامشي. ومن هذا المزيج المعقد والنقدي، ولد حقل "ما بعد التخصصات Post Disciplinary" في الثقافة البريطانية ("فصول"، ص232). 

فتأثير ألتوسير، على مستوى التعاطي للثقافة الشعبية، مفيد من ناحية مفاهيم البناء الاجتماعي والإيديولوجيا والمؤسسة وأجهزة الدولة الإيديولوجية ومن ناحية الفرق بين الإيديولوجيا والعلم.. إلخ. ويظل غرامشي ("بطل الدراسات الثقافية") أرجح، في سياق التعاطي للثقافة الشعبية، وبخاصة من ناحية مفاهيم مثل الهيمنة والسيطرة والدولة والتشكيلات الثقافية ودور الثقافة في التلاحم الاجتماعي... إلخ. ولعلّ هذا ما يوسع جون ستوري القول فيه في كتابه "النظرية الثقافية والثقافة الشعبية" (مترجم للعربية) وبالتركيز على الآباء المؤسسين للدراسات الثقافية وبخاصة رايموند وليامز الذي ظهر تأثيره بدءا من التعاريف الأولى للثقافة في الكتاب.

غير أنه لا ينبغي التغافل عن أهمية السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو صاحب النقد القوي لانغلاق الإنسان الأكاديمي و"الانغلاق السكولاستيكي" (Scolastique) بصفة عامة. ومع أن هناك من رأى في مشروعه ما لا يتماشى والدراسات الثقافية فإنه أفاد دارسي الثقافة الشعبية بأفكار ومفاهيم كثيرة مثل التطبّع والجمالية الشعبية وأسلوب الحياة ورأس المال الثقافي والرمزي والحيز الاجتماعي والحس المشترك واختراق التمثلات للبنيات الموضوعية والاستهلاك المنتج الذي يسهم في خلق رأس المال الثقافي... إلخ. وأعتقد أن هيئة تحرير مجلة "فصول" (القاهرية) (العدد: 60، صيف ــ خريف 2002) كانت على صواب لما أقدمت على تعزيز ملف (الثقافة الشعبية والحداثة) بترجمة أحمد حسان لجزء مطوّل من الكتاب الذي خصّه لويك ج. د. فاكان (Loic J.D. Wacquant) لسوسيولوجيا بيير بورديو تحت عنوان "نحو علم ممارسة علم اجتماعي: بنية سوسيولوجيا بورديو ومنطقها".

فالبحث مفيد أيضا لدارسي الثقافة الشعبية من الباحثين العرب.

يقول رايموند ويليامز في محاضرة حول "مستقبل الدراسات الثقافية": "إذا أخذت مسألة الثقافة الشعبية أو القصص الشعبية، فقد تحوّلت تحوّلا واضحا في الثمانينيات عمّا كان عليه الموقف في الخمسينيات" ("طرائق الحداثة"، ص222). ولا يمكن أن يفهم هذا التحوّل بمعزل عن التحوّل أو بالأحرى تحوّلات الدراسات الثقافية وعلى النحو الذي أفضى بها إلى نوع من "التطوّر" لم يكن يخطر على البال من قبل. يقول ويليامز: "هذا التطور، في ما أعتقد ــ كان من المستحيل التنبؤ به تماما قبل ثلاثين سنة، حين بدأ هذا التعبير في الانتشار" (ص211). كانت الدراسات تظهر وكأنها تخوض في "قضايا خاسرة"!

يحيى بن الوليد

إعلان

إعلان

          ​