لا أفكر، إذا أنا " سعيد "!/خالد الفاضل

اثنين, 11/13/2017 - 12:08

مساء السبت وقبيل صلاة العصر بالتحديد وبقلب عامر بالدهشة هممت بكتابة مقالة مدوية عن فاجعة الخميس يتخللها بعض التعبير العنيف، بيد أنني عندما شبعت من الكسكس ولحم الضأن دب الوهن في خيالي وتيقنت بأن البطنة تذهب الفطنة حقا، وتجمد طاقة المحبة في الدم والقلب، لكنني استخلصت من تلك الحالة تفسيرا منطقيا للتولي الذي مارسته النخبة بأجنحتها الدينية والسياسية والفكرية يوم الجمعة، عندما لاذت بالصمت تاركة جموع المواطنين الصادقة في تحركها تستنشق قنابل مسيلات الدموع بمفردها دون غطاء معنوي منها.

لست فقيها أو حتى خبير قانوني للأسف، لو كنت كذلك؛ لرميت دلوي داخل بئر الأحداث وأسقيتكم منها ماء زلالا أو أجاجا دون خوف وطمع وتدليس، لكنني وببساطة جد شديدة لا ناقة لي ولا جرافة في الفتوى والقانون وعلم الاجتماع، كل ما أنا متأكد منه؛ هو عدم وضوح نخبتنا بشقيها السياسي والديني، واستغلالها لعواطفنا دائما نحن معشر الدهماء!

إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تحتم على كل واحد منا الذب عن عرضه على قدر استطاعته العلمية، مقتفيا في ذلك أولا وأخيرا؛ خلقه وسيرته ووصاياه ومن آكدها طبعا: لا تغضب، وخطبته في حجة الوداع الداعية لصون الدماء والأعراض والأموال...بصفتي مجرد كيميائي مؤمن ينتسب لطائفة عريضة من المسلمين يقال لها: " الدهماء"، طائفة تعتقد أن التفكير بصوت مرتفع مضر بالإيمان وبأن عبادة البحث عن الحق داخل ملكوت الله وهدي النبي الكريم انحراف مبين عن جادة (الجماعة)، انطلاقا من ذلك كله لطالما تركت عني سفينة المجتمع الفكرية تمضي لوجهتها كما وجدتها منذ ولادتي، دون أن يثير ما يحدث داخل مقصورتها فضولي المعرفي..لكن صمت النخبة خلال الأحداث الأخيرة، وعدم اشعالها لمصابيح الحقيقة أمامنا وتكتمها على المادة 306 أيقظ عقلي على ارتجاج مريب يحدث داخل المقصورة، ذهبت ضحيته جماهير غفيرة طيلة أربعة أعوام.

عندما انعقدت ألسنة النخبة وصمتت يوم الخميس وعصر الجمعة في وقت كاد فيه الكلام أن يصبح ذهبا، ولأنه لم يكن ذهبا قابلا للإستثمار تركته النخبة، حين وجدته حطبا ليس ذا نفع، وبإعتكافها الآثم ذلك، فقد أفسحت الطريق أمامنا نحن " الغوغاء "، لكي نعبر عن امتعاضنا الشديد ودهشتنا من مسار الأحداث ومن النخبة بشكل ما، تلكم الأحداث التي بدأت بلقطة رومانسية عند بوابة " القصر الرمادي " لوح فيها الزعيم بيده أمام الجماهير الغاضبة من حوله واعدا إياهم بتطبيق الحدود، ليظفر حينها بلقب مؤثر : " رئيس العمل الإسلامي "، دارت الأيام دورتها العادية، وركب الأحداث من ركبها وسقط عنها من سقط سهوا أو عن نية، محدثة بذلك زلزالا عنيفا في المجتمع العميق، رغم خطورته؛ إلا إنه قد يكون مفيدا على الأمد البعيد. مساء الخميس طويت قضية المقال المسيء في أروقة المحاكم، لتبقي تداعيتها تعتمل في أفئدة الناس المصدومة من الحكم البارد كمناخ نواذيب، سنتين ومبلغ ستون الف أوقية، مبلغ زهيد يساوي في حجمه تقريبا علاوة الطبشور لمدة ثلاثة أشهر متتالية...بناء على هذا وذلك: فأنني قمت بتحليل كيميائي للأزمة على طريقتي الخاصة؛ في مختبر عقلي المكسو بالغبار والمليئ بنواقص كثيرة مثل مختبر إعداديتنا..

لقد أنعم الله علي بالعقل والحرية وبلسان وعينين، فلا ضير إذا من اقتحام عقبة الأحداث بغية إطعام عقلي في زمن فكري ذي مسغبة..إن برودة أعصاب رجال السلطة والسياسة والفقه على حد سواء، وتجمد دماء النصرة في عروقهم عند بلوغها اللحظة الحاسمة، بالتزامن مع غليان أعصاب الجماهير الطيبة داخل الشوارع، الجماهير الغاضبة من الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم، تناقض يشي وبكل جلاء لا لبس فيه: بأن ثورة العواطف بدون سند علمي وفكري يسهل استغلالها وقطف ثمارها اليانعة من طرف قادة نضال الظل، وأن العواطف بمفردها؛ تشبه البنزين الذي يشتعل داخل جوف السيارة ليحركها، فهو يجعلها تتحرك وحسب، لكن من دون مقود فكري كيس، ونفس طويل من الصبر والحكمة والثبات، تكون مآلات الاحتجاجات العاطفية غالبا: العنف، أو الخمول والنسيان..لنكن صادقين مع أنفسنا ولو قليلا، ونفهم بأن الزمن قد تغير تماما وتقاربت عقول أهله وتزاحمت أفكارهم جراء التدفق الهائل في المعلومات الصحيحة والمغلوطة على حد سواء، فلم يعد بالإمكان احتكار النصوص وجعلها إرثا معرفيا ضيقا، خاصة أن رائحة المظالم لاتزال في وطننا تفوح من كل الجهات الأربعة وبعض تلك المظالم للأسف يتم تغليفه بلبوس ديني واجتماعي، على نخبتنا ان تعي ذلك وتعالجه بوضوح..

أما نحن فعلينا أن نطالب الآن بتعديل المادة 306 ووضع عقوبات صارمة لكل من ينال من مقدساتنا، ونطوي بذلك صفحة السب والإساءة بشكل نهائي، أما تدفق الأفكار السلمية والشاذة فلا يحارب بالتقوقع والتضييق، بل يحارب بدقة الحجة وبالعقل والجدال بالتي هي أحسن، مع العلم أن بعض الأفكار هنا يريد أهلها الشهرة والصخب فقط، بيد أننا نساعدهم في ذلك بجلب الأضواء، لطالما كتبت عدة مقالات مسيئة لكنها لم تحدث جلبة وماتت في مهدها، لأنها لم تلقى كمية الزخم المطلوبة فتاب كاتبوها في صمت.

هنا تيشيت، الضباب في كل مكان وكذلك البرد والرياح، ونحن هنا ننام ونصحو ونراقبكم من مكان بعيد، الساعة 11:17 صباحا واقول قولي هذا واستغفر الله العظيم..

إعلان

إعلان

          ​