نظرة على "سوق" الاعلام المحلي بمجهر الواقع.!

خميس, 11/30/2017 - 01:52

إن الاعلام كأي سلاح من أسلحة الحرب يمكن أن يستخدم للسلم وللصلح وللعداء وللثأر، إنه الصورة التي يمكن للآخر أن يرانا من خلالها لكنها صورة قاتمة في الغالب، فلا تخرج للميدان حتى تلبس حلية من الأسباب وتحاط بأسوار من العادات حتى لا تنكشف الخيوط الثمينة التي أودعها الناسج يوم نسجها، وحتى تصل مبتغاها بسلام من يد من يحملها، ويوصلها وكأنه يحمل رسالة مقدسة، في حين أنه يمتطي قنابل مؤقتة وموجهة وفق معايير وظروف محددة.

لقد أحدثت الثورة التكنولوجية الأخيرة التي شهدها عالم التواصل الاجتماعي انعكاسا كبيرا على الاعلام المحلي.، حيث أصبحت الأخبار تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تنشر على الصفحات الرئيسية للاعلام، ما حدّ من شأن الاعلام وأصبحت معلوماته مكرورة وتحصيل حاصل، حتى أصبح لكل أحد صفحة تخصه ويملك تمام الحرية في نشر ما يعلم وما يتوقع على تلك الصفحة وما يراه صالحا حسب هواه، وأضافت ثورة الحرية المتاحة وغياب الرقيب حمل بعير من الفوضى والسخافة على ذلك لتتغير أبجديات الاعلام وتتبدل أولوياته ومعاييره وتولد معايير ومبادئ جديدة تحدد معنى المهنية وقيمة الاخلاص في خدمة القلم وولدت مع ذلك طرق سريعة للاكتساب والتجارة بالمواهب وأتيحت الفرصة للثأر ورد الجميل.

وحسب أغلبية التعاليق التي ترافق الأخبار فإن المرغوب والحاصل على أكثر قراءة هو أخبار الحوادث والأخبار التي تحمل أمورا غريبة تخرج عن مألوف المجتمع البدوي المسلم المتدين والأخلاقي، كالقتل والاغتصاب والسرقة وفضح المسؤولين، أو ما يحمل الإثارة من عواطف وأمور تثير الغريزة، ولم تعد هناك من ضرورة لبذل الجهد للتعاطف مع المواطنين وإنما وجّه كل الجهد لإرضاء القارء الذي ينتقد المادة التي يسحث عنها دائما .

و حسب ما هو معروف فإن الاعلام موجه في العادة ويخدم أهدافا لا علاقة لها في الغالب مع وسائله العادية، من هنا أصبح الاعلام معرضا لاخفاء جملة من النيات الخبيثة، فقد أدرك أصحاب الصفحات الاعلامية أن نسبة القراءة وازديادها يتناسب مع مدى جراءة المواضيع وخروجها عن المألوف، ومدى تحطيمها لما يتفق عليه المجتمع كخطوط حمراء.

أما عن مهنية الحقل التي يتشدق بها بعض مقلدي المثالية فهي خدعة لادخال الاشكال الكبيرة من الفم الضيق، وهي تلبيس على قصور المنضوين تحت غطاء الفوضوية والانتهاز وليبقوا لأنفسهم مكانا في طابور المتسولين بأقنعة الحروف والثقافة.

وهذا ما يغيب عن أذهان معظم الذين يحاولون تقييم المجهود الاعلامي ومادته المنتجة في ظروف لها هي الأخرى إملاءاتها الخاصة وما تحمله لكل على حدة، فلم يعد مجهود الاعلام اليوم يقاس بانتاجه ولا ببلوغه لجميع أصقاع العالم، وإنما يقاس نجاحه بمدى تحقيقه لأهداف مضمرة وخفية وقد تكون أبعد ما تكون من حقل الاعلام نفسه، لكنها موجودة، ويعرفها أصحاب المهنة في ثنايا الكلمات، ولا شك أنإعلامنا اليوم يحقق جملة من الأهداف التي يطرحها أصحابه كناية مطاف وثمرة أوبة، وتلك هي ثمرة العمل الذي يقومون به أثناء الليل وأطراف النهار.

وفي ظل الأحداث السياسية المتتالية ومل يمليه واقع المجتمع وما تجود به الثورة الرقمية من سرعة لم يعد الاعلام هدفا وإنما اصبح وسيلة في يد الراغب؛ وأصبح موجها ومغرضا ويكتئ في مساره على أوامر خارجة عن إرادة الذين تظهر كتاباتهم في صفحاته، بل ويخرج النص عن سياقه أحيانا بفعل الضغوطات التي يرتهن بها أصحاب المؤسسات مكانتهم عند أربابهم؛ وذلك ما أوصلنا لما نحن فيه اليوم.

 

ديدي نجيب

  19 آب (أغسطس) 2015

إعلان

إعلان

          ​