الملل.. طريقك إلى الإبداع

خميس, 01/11/2018 - 12:07

يمرّ عليك الوقت ثقيلاً، تضع يدك على خدك تنتظر أن يحدث أي شيء ليخرجك من لحظة الجمود التي تعيشها.. عندما تدخل البيت ولا تعرف ما تفعل، وعندما تخرج تقود السيارة لفترة طويلة لأنك لا تعرف ما تفعل، عندما تتصل بأصدقائك تطلب الجلوس مع أحدهم، وعندما تدخل إلى مركز تجاري تريد أن تفعل شيئاً لكنك لا تعرف ما هو.

الملل غالباً يصيب هؤلاء الذين يلتزمون منطقة الأمان ويرفضون الخروج منها، هؤلاء يشعرون بالملل لأنهم لا يضيفون جديداً إلى حياتهم ولا يتعلمون شيئاً.

الملل ليس بالضرورة حالة فراغ، بل من الممكن أن يلاحقك في العمل على شكل وظيفة لا تشعر بأهميتها، ولا تستمتع بأدائها لأنها لا تعني لك شيئاً، هذا ليس شعوراً متعلقاً بك وحدك، بل هو شعور عالمي وموضوع دراسات أكاديمية.

التعريف النفسي للملل هو عدم القدرة على الانغماس في مرحلة أو مراحل من عمل ما لأجل إنجازه بصورة مُرضية، وعلماء نفس خرجوا بتعريف آخر هو «غياب المحفز النفسي لأداء عمل ما»، وثالث هو «غياب أي نوع من الإثارة في حياة شخص ما»، ورابع هو «مرور الشخص بالسيناريو اليومي نفسه من دون جديد»، وكل هذه التعريفات صحيحة لأنها تعكس أنواعاً عدة من البشر.

الملل شعور بائس لكنه ليس بسيطاً، وتم ربطه بمشكلات سلوكية كالقيادة بتهور، والمجازفة في تناول الطعام، والإسراف في تناول مشروبات تُذهب العقل في فترات متقاربة جداً، والإقبال على سلوكيات تعطي شعوراً قصيراً بالإثارة، كالعلاقات المحرمة والقمار والمخدرات.

في دراسة لعلماء نفس عام 2014، كشفت أن ثلثي الرجال وربع النساء يفضلون تعريض أنفسهم لصدمات كهربائية على الجلوس وحدهم والتأمل في أفكارهم مدة ربع ساعة.

وفي دراسة شبيهة عام 2016، قسم علماء نفس متطوعون إلى ثلاث مجموعات، الأولى تشاهد فيلماً حزيناً، والثانية فيلماً مملاً، والثالثة فيلماً محايداً أي غير حزين أو ممل، وطلبت منهم تعريض أنفسهم لصدمات كهربائية أثناء المشاهدة. النتيجة كانت أن المجموعة الثانية (الفيلم الممل) استخدمت الصدمات الكهربائية أكثر وأقوى من المجموعتين الأخريين.

الملل غالباً يصيب هؤلاء الذين يلتزمون منطقة الأمان ويرفضون الخروج منها، هؤلاء يشعرون بالملل لأنهم لا يضيفون جديداً إلى حياتهم ولا يتعلمون شيئاً، إنما هم سجناء في دائرة روتين قاتل يسبّب اكتئاباً.

رغم ذلك فإن الملل بوابة للإبداع، خصوصاً عندما يُمضي الشخص وقتاً طويلاً في التفكير والتأمل وأحلام اليقظة. في دراسة بريطانية عام 2014 طُلب من مجموعتَي متطوعين استنباط استخدامات أخرى لأداة منزلية غير الغرض الذي اخترعت لأجله، المجموعة الأولى أنجزت نشاطاً مملاً قبل عملية الاستنباط، والثانية باشرت في الاستنباط فوراً، النتيجة أن المجموعة الأولى أبدعت أكثر.

ختاماً: الملل لم يكن موجوداً تاريخياً، ولم يعرفه البشر إلا بعد الثورة الصناعية في نهاية القرن 18، أما قبل ذلك فلم يكن الملل خياراً نظراً إلى انشغال البشر بتأمين قوت حياتهم اليومية، وتدريب أبنائهم على خوض تحديات الحياة. بكلمات أخرى، الملل وُلد نتيجة الرفاهية الزائدة التي نعيشها اليوم، ولا غرابة عندما نجد مراهقي اليوم يشكون الملل في عز عصر الترفيه، وحتى في الإجازات والأعياد المليئة بالأنشطة.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

إعلان

إعلان

          ​